في الدقيقة 74 من مباراة فرنسا والسويد بدور الـ32، استقبل كيليان مبابي كرةً ذهبية من كعب مايكل أوليس، رفع رأسه للحظة، ثم أطلق رصاصة يمنى حوّلت الشبكة إلى احتفال. كان ذلك هدفه العاشر في أدوار الإقصاء الكأسية، وهدفه الثامن عشر في تاريخ مشاركاته بكأس العالم. بهذين الرقمين، أصبح النجم الفرنسي يقف أمام أعظم سجلٍّ فردي في تاريخ هذه البطولة: 19 هدفاً لـليونيل ميسي.
هدفٌ واحد فقط. لم يعد الأمر مسألة «ماذا لو»؛ بات سؤالاً عن متى.
الأرقام التي تصنع التاريخ
قبل أن نُحلّل، لا بدّ أن نتوقّف عند الأرقام الصريحة التي تُجسّد عظمة ما يصنعه مبابي في هذه البطولة:
- 18 هدفاً في 18 مباراة بكأس العالم — معدل هدف في كل لقاء
- 6 أهداف في 2026 وحدها — مشاركٌ في تصدّر قائمة الهدّافين مع ميسي
- 10 أهداف في الأدوار الإقصائية — رقمٌ قياسي مطلق تجاوز به ليونيداس البرازيلي ورونالدو إل فينومينو معاً
- ثلاث ثنائيات في مونديال 2026 وحده، أعلى رقم بين جميع المشاركين
هذه ليست إحصاءات تُعلَق في جدار؛ هذه لغة القرن، يكتبها شابٌّ لم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره. (ESPN)
ميسي و18 سنة من الصبر
ليفهم القارئ ثقل هذا الرقم، علينا أن نسافر معاً إلى مسيرة ليونيل ميسي في كأس العالم. منذ كأس العالم 2006 حتى قطر 2022، أي على مدى ست نسخ متتالية، كافح ميسي ليبني سجلّه الرقمي هدفاً هدفاً، محمّلاً عبء توقّعاتٍ أكبر من دولة بأكملها. لم يصل إلى الـ19 دفعةً واحدة، بل في رحلةٍ طويلة شهدت الخيبة قبل التتويج.
في المقابل، لم يلعب مبابي إلا ثلاث نسخ حتى الآن — روسيا 2018، قطر 2022، وأمريكا الشمالية 2026 — ليتعادل عملياً مع عملاق عصره في عدد أهداف هذا الموسم، ويقترب منه بهدفٍ واحد في السجل التاريخي. المسافة الزمنية بينهما تقول الكثير. (NBC News)
لماذا الأدوار الإقصائية هي القياس الحقيقي؟
كثيراً ما يُتحفّظ على إحصاءات الدور الأول بحجّة أن المنافسة فيه غير متكافئة. لكن الأدوار الإقصائية — من الثمانية والستة عشر فصاعداً — هي حيث تُحسم التسميات والألقاب. وهنا، يمتلك مبابي رقماً لا يملكه أحدٌ آخر في تاريخ هذه البطولة: عشرة أهداف في نوكاوت ستيج.
بيليه سجّل في أدوار الإقصاء، وهكذا فعل رونالدو وزيدان وكلاينسمان؛ لكن لا أحد منهم بلغ هذا الرقم. معنى ذلك أن مبابي لا يتميّز فقط في المباريات «السهلة»، بل هو صاحب أكبر تأثيرٍ فردي في المراحل التي تُحدّد حياة أو موت المنتخبات. (الجزيرة)
الطريق إلى الـ19: ما الذي ينتظر فرنسا؟
فرنسا ستواجه باراغواي في دور الـ16 — ذلك الفريق الذي أذهل العالم بإقصاء ألمانيا على ركلات الترجيح. وإن تجاوزت «الديوك» هذه العقبة، فإن ربع النهائي ونصف النهائي والنهائي ثلاثة مباريات أخرى تنتظر مبابي ليسجّل فيها هدفاً واحداً يكفيه.
لكن الرياضة لا تعمل بالحسابات الباردة. باراغواي أثبتت أنها قادرة على المفاجأة. والطريق إلى النهائي طويل، وإيقاع البطولة لا يرحم. غير أن ما يطمئن المشجّع الفرنسي هو أن مبابي تحديداً يرتفع مستواه كلّما ارتفعت رهانات المباراة — كأنّ المسرح الكبير يُشعل فيه شيئاً لا يملكه سواه.
قراءتنا: هل نحن أمام أعظم لاعب في تاريخ كأس العالم؟
هذا السؤال سيستفزّ أنصار كثيرين، ونطرحه بتأنٍّ لا بتهوّر. ميسي بطلٌ بنصف نهائي وربع نهائي ونهائيين، وحاملُ لقب البطل الأكبر في تاريخ البطولة. رونالدو النظيم، بيليه، مارادونا — كل واحدٍ منهم ترك بصمته.
لكن مبابي يفعل شيئاً لم يفعله أيٌّ منهم: إنه يُسجّل بمعدل هدفٍ في كل مباراة، ويصنع الفرق في الأدوار الأصعب، وهو لا يزال في بداية أوج نضجه. إن واصل المسار نفسه في النسختين القادمتين، فنحن نتحدّث عن رجلٍ قد يُعيد تعريف مفهوم «كبير المونديالات» من جذوره.
أما هدف مبابي القادم — سواء أتى في باراغواي أو بعدها — فسيكون لحظةً يتوقّف عندها التاريخ. وحين يحدث، ستقفز التساؤلات: من يأتي بعده؟ وهل يبقى الرقم 19 ذروةً ترسو عندها الأجيال، أم أن مبابي بنفسه سيتجاوزه ليُرسي سقفاً جديداً يستغرق من يتخطّاه عقوداً أخرى؟
تابعوا «ملعب الآن» لمتابعة رحلة مبابي نحو التاريخ، لحظةً بلحظة.