في السابع والعشرين من يونيو 2010، رفع أندريس إنييستا كأس العالم في جنوب أفريقيا، وأعاد إسبانيا إلى ذروة كرة القدم العالمية لأول مرة في تاريخها. اليوم، وفي ملعب «سوفي ستاديوم» بلوس أنجلوس يوم الخميس 2 يوليو 2026، تحطّ «الفيوري روخا» رحالها في مرحلة الإقصاء من مونديال 2026 للمرة الأولى، لتواجه النمسا في دور الـ32. والسؤال الذي يشغل عقول المحللين ليس «هل تتأهل إسبانيا؟» بل «كيف ستسيطر وكم ستُقنع؟»
الماكينة الإسبانية: لا أهداف مستقبَلة ومنهجية صارمة
أنهت إسبانيا دور المجموعات بسجل لافت: ثلاث مباريات لم تستقبل فيها هدفاً واحداً، فازت على السعودية والأوروغواي، وتعادلت مع الرأس الأخضر. المدرب لويس دي لا فوينتي — بطل يورو 2024 بـ«الماتادور» — بنى منظومةً تقوم على ثلاث ركائز: الحيازة الممتدة، والضغط عالي الكثافة، والتحوّل السريع من الدفاع إلى الهجوم. متوسط تمريرات إسبانيا في آخر خمس مباريات رسمية تجاوز الـ700 تمريرة في المباراة الواحدة، وهو رقم يفوق طاقة أي منتخب حاضر في هذه البطولة على مجاراته. (Total Football Analysis)
لكن ثمة جرحٌ يُقلق الجانب الهجومي؛ فالخسارة المزدوجة الناجمة عن إصابتَي نيكو ويليامز (أوتار مأبضية) ويريمي بينيو (ترقوة) تُجبر «دي لا فوينتي» على إعادة رسم خطوطه الهجومية. ستنتقل التشكيلة إلى مثلث «يامالي»: لامين يامال على اليمين، وأليكس بيانا على اليسار، مع إسناد دور الرقم 10 في العمق لـدانييل أولمو. هل يُضعف ذلك إسبانيا؟ تكتيكياً ربما. لكن القول إن يامال وبيانا «بدائل» سيظلم اللاعبَين اللذَين يمتلكان معاً مهارات مرعبة في المراوغة والتسديد، وسيكون للعالم أجمع فرصة اكتشاف ذلك الليلة.
رانيك ومشروع «الضغط الدائم»
على الضفة الأخرى، يطل النمسا بقيادة المدرب الألماني الباحثي رالف رانيك، صاحب الفضل الأول في جعل «الضغط العالي» فلسفةً أوروبية لا مجرد تكتيك موسمي. رفع رانيك النمسا لأول نهائيات كأس عالم منذ 1998، وأوصلها إلى مونديال 2026 بروح جماعية مبنية على التنافس على كل كرة في كل بقعة من الملعب. في دور المجموعات، فاز النمساويون على الأردن بثلاثية، وخسروا أمام الأرجنتين 2-0، ثم تعادلوا مع الجزائر 3-3 في مباراة لهيب الإثارة أعادت الحياة إلى مشوارهم. (الجزيرة الإنجليزية)
غير أن مباراة الجزائر كشفت المشكلة الجوهرية: ستة أهداف مستقبَلة في ثلاث مباريات رقمٌ مقلق جداً، خاصة أمام منتخب لم يستقبل هدفاً واحداً طوال دور المجموعات. نجم النمسا الأوضح هو مارسيل سابيتسر الذي يعمل وسط الملعب بحرية مطلقة وإبداع حقيقي، فيما يتمتع المهاجم مارتيوس أرناوتوفيتش بهدفَين في رصيده ويشكّل تهديداً جسدياً جدياً في الكرات الثابتة والمعلّقة.
التحدي الحقيقي: هل يستطيع الضغط النمساوي كسر البنية الإسبانية؟
هنا جوهر المعادلة التكتيكية: يعتمد رانيك على الضغط الفوري فور خسارة الكرة، وهي آلية تنجح غالباً لأن معظم الفرق تفزع وترتكب أخطاء في البناء من الخلف. لكن إسبانيا بُنيت تحديداً لمواجهة هذا السيناريو.
خط الوسط الإسباني المؤلف من رودري وفابيان رويز وبيدري متدرّبٌ على ما يُعرف بـ«البناء من الخلف تحت الضغط» — أي قبول الضغط المباشر واستثمار الفراغات التي يتركها المضغط خلف ظهره. عندما تضغط النمسا عالياً، فإنها تفتح حتماً مساحاتٍ خلف مدافعيها وبين خطوطها — وهذه بالضبط المساحات التي ينفجر فيها يامال وبيانا بسرعتيهما الخارقتين. الفخ الذي نصبه دي لا فوينتي للفرق الضاغطة ليس خافياً على أحد؛ والمؤلم أن رانيك يعلم ذلك تماماً، لكنه لا يملك خياراً حقيقياً آخر.
المتنفس الواقعي الوحيد للنمسا يكمن في الكرات الثابتة، حيث لجسدية أرناوتوفيتش وزميله مارشيل باومغارتنر حضورٌ ملموس. وقد أظهرت إسبانيا بعض الهشاشة في هذا الجانب في المراحل الأولى من البطولة، وهو ما سيُركّز عليه رانيك في تحضيراته. بيد أن «الماتادور» أثبتت كذلك في يورو 2024 ودور المجموعات قدرةً دفاعية غير عادية في التعامل مع الكرات المعلّقة حين يكون التركيز في أعلى مستوياته.
قراءتنا التحليلية: سيُفاجئنا شيء ما، لكن الاتجاه واضح
لا نميل إلى الكتابة عن مباريات «محسومة»، لأن الملاعب لا تعترف بالمنطق دائماً. أرناوتوفيتش نموذجٌ حيّ على المهاجم الذي يسجّل في اللحظة المستحيلة، ومباراة إقصاء واحدة كافية لتقلب كل شيء رأساً على عقب.
لكن الحقيقة الموضوعية هي أن الفجوة بين المنتخبَين ليست هامشاً ضيقاً؛ إسبانيا تنتمي إلى فئة مختلفة من الأداء الجماعي، وهي تعرف كيف تُدير المباريات الكبيرة بأقل قدر من التوتر. في تقديرنا، ستسيطر الماتادور منذ البداية، ستُضعف الضغط النمساوي بحيازة مدروسة وتدوير سريع، ثم تجد مفتاح الشبكة في الشوط الثاني حين تبدأ الخيوط النمساوية بالتفكك تدريجياً.
توقعنا: إسبانيا 2-0 النمسا. وربما رأينا لامين يامال في أفضل حالاته على أرض أمريكية الليلة — صبيٌّ يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً على أعتاب التاريخ.
تابعوا «ملعب الآن» للتغطية اللحظية وتحليلات ما بعد المباراة.