بين فرحةٍ عربية غير مسبوقة بثماني منتخباتٍ في كأس العالم، وجدلٍ متصاعد حول نزاهة بعض نتائج الجولة الأخيرة من دور المجموعات، يبدو أن نسخة 2026 الموسّعة لـ48 منتخباً تكشف يومياً عن وجهَي عملةٍ واحدة: بطولة أكثر تنوعاً وحضوراً للمنتخبات الصغيرة، لكنها أيضاً أكثر عرضةً لأسئلةٍ لم تكن مطروحةً بهذا الزخم من قبل. فبينما تستعد ثماني منتخباتٍ عربية للمرة الأولى في تاريخ المونديال لخوض مغامرةٍ تاريخية، تتعالى أصواتٌ في الصحافة الرياضية الدولية تحذّر من أن النظام الجديد قد يكون فتح الباب لـ«تعادلاتٍ مريحة» تخدم فريقين على حساب طرفٍ ثالث، في مشهدٍ يهدد بتقويض جوهر المنافسة الذي بُنيت عليه البطولة منذ عام 1930.
كيف غيّر نظام الـ48 منتخباً قواعد اللعبة؟
منذ توسعة فيفا للبطولة من 32 إلى 48 منتخباً، تغيّرت معادلة التأهل جذرياً: يتأهل صاحبا المركزين الأول والثاني من كل مجموعةٍ من المجموعات الاثنتي عشرة مباشرةً، لتنضم إليهما أفضل ثمانية منتخباتٍ من أصحاب المركز الثالث، فيكتمل العدد إلى 32 منتخباً يتنافسون في دورٍ إقصائي جديد لم يكن موجوداً في النسخ السابقة. عملياً، يعني هذا أن أربعة نقاطٍ فقط قد تكون كافيةً للتأهل كأحد أفضل المنتخبات الثالثة، وهو ما رفع نسبة المنتخبات المتأهلة من دور المجموعات إلى الثلثين تقريباً. (الجزيرة)
لماذا تحوّل الأمر إلى جدل «نزاهة»؟
الإشكالية لا تكمن في صعوبة الحساب، بل في حافزٍ خفي ظهر في أكثر من مجموعة: حين يضمن فريقان التأهل بنتيجة تعادل، يتراجع حافز المنافسة الحقيقية في آخر 90 دقيقة، وتتحوّل المباراة إلى تبادل كراتٍ آمن بانتظار صافرة النهاية. صحفٌ غربية تحدّثت بصراحة عن «مخاوف نزاهة» مرتبطة بمواجهاتٍ تُحسم نتيجتها بشكلٍ يخدم الطرفين معاً، في وقتٍ تتيح فيه قاعدة الفارق الإيجابي وعدد النقاط لمنتخبَين التأهل بتعادلٍ هادئ بينما يُستبعد فريقٌ ثالثٌ ظل يقاتل بجدية في مباراته الموازية. (beIN Sports)
الجانب الآخر: مكسبٌ عربي وأفريقي تاريخي
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن التوسعة هي ما سمح بمشاركة رقم عربي قياسي هذا الموسم: ثمانية منتخبات (المغرب، مصر، السعودية، الجزائر، تونس، العراق، قطر، والأردن) خاضت المونديال في نسخةٍ واحدة لأول مرة، بعد أن كانت المشاركة العربية في أغلب النسخ السابقة لا تتجاوز منتخبَين أو ثلاثة. وقد أثبتت قصص مثل فوز مصر التاريخي الأول في كأس العالم على نيوزيلندا، وصمود العراق في مجموعةٍ تضم فرنسا، أن التوسعة منحت كرة القدم العربية فرصةً نادرة لخوض تجربة المونديال الحقيقية بدل متابعتها على الشاشة فقط.
أين تقف المنتخبات العربية من معضلة «التعادل المريح»؟
- السعودية: تدخل مواجهتها الأخيرة أمام الرأس الأخضر فجر السبت وهي بحاجةٍ فعلية للفوز، أي بعيدةٌ عن سيناريو «التعادل المريح» وتلعب بضغط الإقصاء الكامل.
- العراق: يواجه السنغال في معركة بقاءٍ مباشرة لا تحتمل حسابات التعادل المشترك، إذ يحتاج لنتيجةٍ إيجابية واضحة لحجز مقعده.
- الجزائر ومصر والمغرب: حسمت أوضاعها بنتائج إيجابية واضحة في الملعب، بعيداً عن أي شبهة تفاهمٍ مسبق.
وهذه نقطةٌ مهمة لإنصاف الكرة العربية: لم تكن أي من قصص الجدل التي أثارتها الصحافة الدولية حول «التعادلات المريحة» متعلقةً بمنتخبٍ عربي، بل دارت في مجموعاتٍ أخرى من البطولة، ما يبرز أن أغلب المنتخبات العربية خوّضت مشوارها بمنطق الفوز المباشر لا حسابات التأهل بالتلاعب.
رأي «ملعب الآن»: التوسعة قرارٌ صحيح، لكنه يحتاج ترميماً عاجلاً
نرى في هيئة تحرير «ملعب الآن» أن فتح كأس العالم أمام 48 منتخباً كان خطوةً ضروريةً لتوسيع قاعدة الكرة العالمية وإعطاء قاراتٍ مثل آسيا وأفريقيا والعالم العربي تمثيلاً أعدل يتناسب مع جماهيرها الهائلة وتطورها الكروي خلال العقد الأخير؛ ولا يصحّ الحكم على التجربة بمعيار النوستالجيا لزمنٍ كانت فيه البطولة حكراً على نخبةٍ من المنتخبات التقليدية. لكن في الوقت ذاته، لا يمكن غضّ الطرف عن أن قاعدة «أفضل ثمانية منتخبات ثالثة» تحتاج تعديلاً تقنياً عاجلاً من فيفا — كجدولة مباريات الجولة الأخيرة في كل مجموعةٍ بالتوقيت نفسه، وهو إجراءٌ معمولٌ به أصلاً لكنه لم يمنع وحده كل الشكوك، أو إعادة النظر في معايير كسر التعادل بما يقلّل من حافز «التفاهم الصامت». بطولةٌ بحجم كأس العالم لا تحتمل أن يُختزل تاريخها في تساؤلٍ واحد: هل كانت تلك النتيجة حقيقية، أم مُتفقاً عليها؟
ماذا يعني هذا لجماهير العالم العربي تحديداً؟
بالنسبة للجمهور العربي والخليجي الذي ينتظر مساء كل مباراةٍ بفروغ صبر، فإن نزاهة المنافسة ليست تفصيلاً أكاديمياً، بل هي ما يحفظ لمشاهدةٍ كهذه قيمتها العاطفية: حين يخرج منتخبٌ عربي من البطولة بعد مباراةٍ يُشتبه في نتيجتها، يفقد الجمهور الثقة في عدالة المسار كله، حتى لو لم يكن فريقه طرفاً في الجدل. لهذا، فإن المطالبة بإصلاح قواعد الجولة الأخيرة ليست ترفاً نظرياً، بل مطلبٌ يخدم مباشرةً المنتخبات العربية التي تخوض غالباً مجموعاتٍ متقاربة المستوى، وتحتاج لضمان أن كل نقطةٍ في الجدول قد جاءت من ملعبٍ يلعب فيه الجميع للفوز، لا للتفاهم.
في «ملعب الآن» سنتابع كيف يتعامل فيفا مع هذا الجدل في الأيام المقبلة، وما إذا كان دور الـ32 سيفتح صفحة الحسم الحقيقي بعيداً عن أي ظلال شكٍّ خيّمت على نهايات بعض المجموعات.