هناك مباريات تُلعب لتُحسم، وأخرى تُلعب لتُروى. مواجهة الأردن والأرجنتين في دالاس كانت من النوع الثاني. فالأرجنتين كانت قد ضمنت صدارتها قبل أن تطأ قدمُها الملعب، والأردن كان يعرف أن حلمه في التأهّل قد انتهى. ومع ذلك، خرج الفريقان ليقولا شيئاً: واحدٌ أراد أن يؤكّد أنه يدخل البطولة بنيّة الذهاب حتى النهاية، وآخر أراد أن يثبت أنه جاء إلى هنا ليلعب، لا ليكمل العدد.

انتهت المباراة 3-1 لصالح الأرجنتين، لكن الأرقام — كعادتها — لا تروي القصة كاملة.

ماكينة لا تعرف الراحة

كان لافتاً أن يصرّ ليونيل ميسي على اللعب في مباراةٍ لم تكن تعني شيئاً لترتيب منتخبه. رجلٌ في موندياله الأخير لا يريد أن يضيّع دقيقةً واحدة، وكأنه يحاول أن يعتصر من هذه البطولة كل لحظةٍ ممكنة. افتتح جوفاني لو سيلسو التسجيل، ثم أضاف لاوتارو مارتينيز الهدف الثاني في شوطٍ أول حملت فيه الأرجنتين بصمتها المعتادة: هدوءٌ في الاستحواذ، وحسمٌ عند أول فرصة حقيقية.

وحين قلّص موسى التعمري الفارق للأردن، بدا للحظةٍ أن المباراة قد تأخذ منعطفاً. لكن ميسي كان له رأيٌ آخر، فسجّل الهدف الثالث الذي أعاد الأمور إلى نصابها وأنهى أي حديثٍ عن مفاجأة. ثلاثة انتصارات من ثلاث، تسع نقاط كاملة، وصدارةٌ لا غبار عليها لـالمجموعة العاشرة (J). (ESPN)

من تصدّر المجموعة؟ وماذا بعد؟

الجواب لم يكن مفاجئاً: الأرجنتين متصدّرة بالعلامة الكاملة. وبهذه الصدارة، يضع التانغو نفسه في المسار الذي يطمح إليه كل منتخبٍ كبير — مواجهة وصيف مجموعةٍ أخرى بدل متصدّرها. في دور الـ32، سيلتقي حاملو اللقب منتخب الرأس الأخضر (وصيف المجموعة الثامنة)، في مباراةٍ تبدو في متناولهم على الورق، لكنها تظلّ فخّاً محتملاً لمن يستهين بها.

الصدارة هنا ليست مجرّد ترفٍ إحصائي. إنها تعني مساراً أهدأ نظرياً في الأدوار الأولى، وثقةً متراكمة، وراحةً نفسية لفريقٍ يعرف أنه يسير في الطريق الذي رسمه لنفسه. لكنها أيضاً تحمل خطراً خفياً: أن يدخل اللاعبون منطقة الرضا. وهذا تحديداً ما سيحاول المدير الفني أن يتجنّبه في الأيام المقبلة.

أمّا النشامى..

قد يقول البعض إن الأردن خرج من الدور الأول، وإن هذه نهايةٌ حزينة. لكن من تابع رحلة «النشامى» يعرف أن مجرّد الوصول إلى هنا كان إنجازاً بحدّ ذاته — أول مشاركةٍ مونديالية في التاريخ. وأن تسجّل في مرمى الأرجنتين، بطلة العالم، في مباراتك الأخيرة، فتلك ليست مغادرةً عادية؛ إنها بطاقة تعريفٍ تقول: «نحن هنا، وسنعود».

هدف موسى التعمري لم يكن ليغيّر النتيجة، لكنه غيّر شعور ملايين العرب الذين تابعوا المباراة. لحظةٌ صغيرة، لكنها من تلك اللحظات التي تُبنى عليها أحلام المستقبل. الكرة الأردنية خرجت من هذا المونديال أكثر نضجاً وثقة، وهذا وحده يستحقّ التحية.

خلاصة القول: الأرجنتين تمضي بثباتٍ نحو حلمها، والأردن يعود إلى بيته وقد كسب احترام الجميع. وبين الفرحة والوداع، تبقى كرة القدم تلك اللعبة التي تتّسع لكل القصص. تابعوا «ملعب الآن» لرحلة التانغو نحو دور الـ32، ولكل ما تبقّى من حكايات هذا المونديال.