ليست مجرّد نقطة، بل لحظة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تعادل منتخب مصر مع إيران بنتيجة 1-1 في الجولة الأخيرة من المجموعة السابعة (G) بكأس العالم 2026، على ملعب «سياتل»، ليحجز الفراعنة مقعدهم في دور الـ32 في المركز الثاني — وهي **المرة الأولى في تاريخهم** التي يتجاوزون فيها دور المجموعات في أي نسخة من نسخ المونديال. (ESPN)
كيف جرت المباراة؟
دخل الفراعنة اللقاء وهم يعرفون أن نقطة واحدة قد تكفي لحسم التأهّل، لكنهم لم ينتظروا طويلاً. ففي الدقيقة الخامسة فقط، افتتح محمود صابر التسجيل بهدفٍ مبكّر منح مصر أفضلية معنوية كبيرة وأسكت الضغط الإيراني في بدايته. لكن المنتخب الإيراني، الباحث بدوره عن التأهّل، ردّ سريعاً عبر رامين رضائيان الذي أدرك التعادل وأعاد الأمور إلى نقطة الصفر. (Seattle Sounders)
ومع تقدّم الوقت، ارتفعت حدّة المباراة وتبادل الفريقان الفرص في أجواءٍ مشحونة. وكادت إيران أن تخطف الفوز القاتل في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع للشوط الثاني، حين سجّل خليل زادة هدفاً ظنّه الجميع هدف الفوز، قبل أن تلغيه تقنية الفيديو (VAR) بداعي التسلّل في لقطةٍ حبست الأنفاس. تنفّس الفراعنة الصعداء، وانتهت المباراة بالتعادل الذي يكفيهم.
لماذا هذا التأهّل تاريخي؟
لفهم حجم الإنجاز، يكفي العودة إلى سجلّ مصر في كأس العالم. ففي مشاركاتها الثلاث السابقة — 1934 و1990 و2018 — لم تتجاوز مصر دور المجموعات قط، بل خرجت من نسختَي 2018 بخسارة كل المباريات. أما اليوم، وللمرة الأولى منذ دخولها المونديال قبل أكثر من تسعة عقود، يعبر «أبناء النيل» إلى الأدوار الإقصائية. إنه تتويجٌ لمسيرة تصفياتٍ مثالية (ثماني انتصارات وتعادلان دون أي خسارة) ولجيلٍ يقوده النجم محمد صلاح في ما يُتوقّع أن يكون موندياله الأخير.
ترتيب المجموعة السابعة كاملاً
جاءت نتائج المجموعة على النحو التالي: تعادلت مصر مع بلجيكا 1-1 في الجولة الأولى، ثم فازت على نيوزيلندا 3-1، وأخيراً تعادلت مع إيران 1-1. في المقابل تصدّرت بلجيكا المجموعة بعد فوزها الكبير على نيوزيلندا 5-1، بينما بقيت إيران في المركز الثالث برصيد ثلاث نقاط من ثلاثة تعادلات، وخرجت نيوزيلندا من القاع.
- بلجيكا — المتصدّر (5 نقاط، فارق أهداف أكبر)
- مصر — الوصيف (5 نقاط) ← دور الـ32 ✅
- إيران — الثالث (3 نقاط) ← في انتظار حسابات أفضل المراكز الثالثة
- نيوزيلندا — الرابع (نقطة واحدة) ← وداع
مسيرة الفراعنة في الدور الأول: ثباتٌ ونضج
ما يستحقّ التوقّف عنده ليس النتيجة فحسب، بل الطريقة. بدأت مصر مشوارها بتعادلٍ ثمين أمام بلجيكا، أحد أقوى منتخبات أوروبا، في رسالةٍ مبكّرة بأن هذا الجيل لا يهاب الكبار. ثم جاء الفوز المقنع على نيوزيلندا 3-1 ليؤكّد الجاهزية الهجومية، قبل أن يحسم تعادل إيران التأهّل. ثلاث مباريات دون خسارة، وهجومٌ سجّل في كل لقاء، ودفاعٌ لم ينهَر تحت الضغط — هذه ملامح فريقٍ نضج تكتيكياً تحت قيادة حسام حسن، الذي نجح في مزج خبرة المحترفين في أوروبا بروح المنتخب الوطني.
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون التوقّف عند محمد صلاح. فالنجم الذي حمل آمال مصر منفرداً في 2018 وخرج محبَطاً، يعود اليوم وقد التفّ حوله جيلٌ كامل من المواهب، ما خفّف العبء عن كاهله ومنح المنتخب أكثر من ورقةٍ رابحة. إنها ربما الفرصة الأخيرة لـ«الملك المصري» ليُتوّج مشواره المونديالي بإنجازٍ يليق بمسيرته الأسطورية في الأندية.
ماذا ينتظر مصر؟ توقّعات دور الـ32
حُسمت هوية الخصم: ستواجه مصر منتخب أستراليا (وصيف المجموعة الرابعة) يوم الجمعة 3 يوليو على ملعب AT&T في دالاس. مواجهةٌ تبدو على الورق في متناول الفراعنة، لكنها تحمل فخاخها. فأستراليا منتخبٌ منظّم بدنياً، يجيد الضغط والاستمرارية تسعين دقيقة كاملة، ولا يمنح الخصم مساحات بسهولة.
تكمن خطورة أستراليا في انضباطها الجماعي وقدرتها على اللعب بخطوط متقاربة تُغلق المساحات أمام صنّاع اللعب، إضافةً إلى قوّتها في الكرات الثابتة والجوّ — وهو سلاحٌ قد يُقلق دفاع الفراعنة. في المقابل، تملك مصر أفضليةً واضحة في الجودة الفردية والسرعة على الأطراف، وهو ما قد يُرهق الظهيرين الأستراليين على مدار المباراة.
قراءتنا التوقّعية: مفتاح المباراة بيد محمد صلاح والخط الهجومي. إذا نجحت مصر في فرض إيقاعها وتجنّب الدخول في لعبة بدنية بحتة مع الأستراليين، فإن الجودة الفردية لنجوم مثل صلاح وعمر مرموش وتريزيغيه كفيلة بصناعة الفارق. نرشّح مصر للعبور، لكن بحذرٍ شديد ومن دون أي استهانة — فالأخطاء في الأدوار الإقصائية لا تُغتفر، والتأهّل التاريخي قد يتحوّل إلى ضغطٍ نفسي إن لم يُحسن اللاعبون إدارته. الفيصل غالباً سيكون في القدرة على حسم الفرص مبكّراً بدل ترك المباراة مفتوحةً حتى النهاية، حيث يزداد خطر الكرات الثابتة والركلات الترجيحية.
وماذا عن إيران؟
وضع المنتخب الإيراني أكثر تعقيداً. فبثلاث نقاط من ثلاثة تعادلات (مع نيوزيلندا وبلجيكا ومصر) وفارق أهدافٍ متواضع، تنتظر إيران نتائج بقية المجموعات لتعرف إن كانت ضمن أفضل ثمانية منتخبات في المركز الثالث المتأهّلة وفق نظام الـ48 منتخباً. حظوظها قائمة لكنها ليست مضمونة.
توقّعنا لإيران: إن حالفها الحظ وتأهّلت، فستدخل دور الـ32 بثقةٍ دفاعية لافتة — فهي لم تخسر أي مباراة في الدور الأول ولم تتلقَّ خسارة، لكنها تعاني من عقمٍ هجومي واضح (هدفان فقط في ثلاث مباريات). ومن دون حلولٍ هجومية أكثر جرأة، سيصعب عليها الذهاب بعيداً مهما بلغت صلابة خطها الخلفي. وإن أُقصيت بحسابات الفارق، فستكون مغادرةً موجعة لمنتخبٍ لم يُهزم.
وتكشف تجربة إيران معضلةً تكتيكية مألوفة: التنظيم الدفاعي وحده قد يمنحك التعادلات والصمود، لكنه نادراً ما يكفي لحسم المباريات الكبرى. سيكون أمام مدرّب «فريق الملالي» مهمة إيجاد توازنٍ أفضل بين الحذر والمبادرة إن أراد لمنتخبه أن يحوّل صلابته الدفاعية إلى نتائج إيجابية في الأدوار المقبلة. إنها لحظة مفصلية ستحدّد ما إذا كانت هذه النسخة من إيران ستُذكَر بالصمود فقط، أم بالإنجاز.
البُعد العربي والأفريقي للإنجاز
لا يخصّ هذا التأهّل مصر وحدها، بل يحمل بُعداً عربياً وأفريقياً أوسع. فمع وصول المغرب أيضاً إلى الأدوار الإقصائية، تؤكّد الكرة العربية حضورها القوي في النسخة الأضخم من تاريخ المونديال. وتُثبت مصر، بوصفها رائدة الكرة الأفريقية والعربية تاريخياً (أول من شارك عام 1934)، أنها قادرة أخيراً على ترجمة هذا الإرث العريق إلى نتيجةٍ ملموسة على أرض الملعب، لا مجرّد حضورٍ شرفي. إنه نوعٌ من «ردّ الاعتبار» لجماهير انتظرت هذه اللحظة عقوداً طويلة.
كما يحمل التوقيت دلالةً خاصة: جيلٌ يجمع بين خبرة المحترفين في كبرى الأندية الأوروبية وحماس المواهب الصاعدة، تحت قيادة مدرّبٍ يعرف معنى تمثيل مصر في المونديال من موقع اللاعب. كل هذه العوامل تجعل من حلم بلوغ ربع النهائي — للمرة الأولى في التاريخ — هدفاً واقعياً لا مجرّد أمنية.
كلمة أخيرة
بين فرحة مصرية تاريخية وترقّبٍ إيراني حذر، تلخّص مباراة سياتل جمال كأس العالم: تعادلٌ واحد يحمل معنيين متناقضين تماماً لكل فريق. الفراعنة اليوم على بُعد خطوةٍ من إنجازٍ أكبر، والحلم العربي يكبر مع كل جولة. وفي «ملعب الآن» نواصل مرافقة مصر وكل المنتخبات العربية حتى آخر صافرة.
تابعونا لتغطية مباراة مصر × أستراليا في دور الـ32 لحظةً بلحظة.