في BMO Field بمدينة تورنتو الكندية، الخميس الثاني من يوليو 2026، تجري أعظم مباريات دور الـ32 بكل ما تحمله الكلمة من ثقل: البرتغال وكرواتيا، أو بتعبير أدق، رونالدو ومودريتش. لاعبان في الأربعينيات من عمرهما قرّرا أن المونديال مسرح لم يستنفدا فيه كل أدوارهما بعد. رونالدو يبلغ الحادية والأربعين، ومودريتش يُكمل أربعينه في الخريف — وكلاهما موجودٌ هنا يُجادل الزمن في أرضٍ لا تعرف الرحمة.

رونالدو: من الانفجار إلى الحكمة

ما الذي يُميّز رونالدو في 2026 عن رونالدو 2006 أو 2014؟ الإجابة تكمن في التحوّل من الاندفاع المادي إلى الذكاء المكاني. في مونديال هذا العام، سجّل القائد البرتغالي هدفَيه في الدور الأول أمام أوزبكستان ليُصبح — بإجماع الإعلام الرياضي — أول لاعب في تاريخ كأس العالم يسجّل في ستّ نسخ متتالية. رقمٌ يتجاوز الخيال ولا يحتاج زيادة في الكلمات. (الجزيرة)

مدرّبه الإسباني روبرتو مارتينيز صرّح قبل البطولة بوضوح: «رونالدو يُختار بناءً على أدائه، لا على عمره». وهو ما يُفسّر لماذا لا يزال الرجل يشغل مكانه في التشكيلة الأساسية. ليس بحكم الاسم أو بروتوكول التكريم — بل لأنه يُثبت يوماً بعد يوم في التدريب أن جسده قادرٌ على ما يُملي عليه عقله. في ملعب BMO الليلة، رونالدو ليس الأسرع ولا الأكثر حيوية — لكنه الأكثر معرفةً بزوايا الشباك والأعمق فهماً لمتى تُطلق القدم وأين تطير الكرة.

البرتغال في دور المجموعات انطلقت بانتصار ساحق 5-0 على أوزبكستان، قبل أن تتعثّر في المباراتَين التاليتَين أمام الكونغو الديمقراطية وكولومبيا. هذا يُخبرنا شيئاً مهماً: البرتغال ليست فريقاً بلا ثغرات. هي قوة من الدرجة الأولى حين تُحكم البداية، لكنها قابلة للاهتزاز حين يُمسك المنافس بإيقاع اللعب مبكّراً. هل يستطيع مودريتش ورفاقه استغلال هذه الثغرة؟

مودريتش: أربعون عاماً وخمسة كؤوس

لوكا مودريتش لعب أوّل كأس عالم له عام 2006 — حين كان رجلاً شاباً في العشرين من عمره. الليلة يخوض خامس مونديالاته. والرجل الذي يلعب الآن لـAC Milan في دوري الأبطال الأوروبي لم تُجمّد قدرتُه التنظيمية بفعل التقدّم في العمر؛ بل بدا في بعض مباريات دور المجموعات أكثر هيمنةً وتحكّماً من أي وقت مضى، كما لو أن ثلاثين عاماً من التجربة المتراكمة تحوّلت إلى آلةٍ موسيقية يعزف عليها بيُسرٍ تام.

كرواتيا شهدت اختباراً صعباً في الجولة الأولى حين خسرت أمام إنجلترا 4-2 في أرلينغتون — مواجهة كشفت هشاشةً دفاعية وغياباً لذلك التماسك المعروف. لكن ردّ الفعل كان الأصحّ: انتصار 1-0 على بنما، ثم ثنائية 2-1 على غانا بمشاركة مودريتش المباشرة في الهدف الثاني بركلة زاوية دقيقة. هكذا تحوّلت كرواتيا إلى ثانية المجموعة L خلف إنجلترا وأكملت طريقها إلى دور الـ32. (worldcuppass)

المعادلة التكتيكية الليلة

على البرتغال أن تتجنّب الوقوع في فخّ إيقاع كرواتيا البطيء. مودريتش مصنوعٌ لسرقة روح المباريات عبر تحكّمه في التمرير وتبطيء الوتيرة إلى مستوى يُناسب أجنحته التكتيكية. ينبغي للمنتخب البرتغالي أن يُرسّخ الضغط مبكّراً ويُحرج الدفاع الكرواتي — بقيادة جوشكو جفارديول — قبل أن يتمكّن من نصب صفوفه. رافائيل ليلاو على اليسار وخوانو فيليكس في العمق خلف المهاجم يُمثّلان السلاح الأمضى لهذه الليلة.

أما كرواتيا، فستنتهج ما تتقنه منذ زمن: ضغطٌ منظّم، استعادة سريعة للكرة، ثم إطلاق مودريتش حاملاً مفتاح الهجوم نحو دفاعٍ برتغالي لن يكون مرتاحاً حين يواجه أعتى منظّم لوسط ميدان في التاريخ الحديث للعبة. إيفان بيريشيتش على الجانب يُضيف بُعداً جسدياً وجوياً لا يُستهان به.

قراءتنا وتوقّعنا

هذه مباراة بين منظومتَين مختلفتَين في الجوهر: البرتغال تعتمد على النجم الفريد الذي لا يتكرّر، وكرواتيا تعتمد على الوعي الجماعي الذي لا يُكسر. كلتا المنظومتَين مشروعٌ إنساني استثنائي في كرة القدم. ومهما كانت النتيجة الليلة، فإن العالم سيودّع واحداً منهما — وهذا بحدّ ذاته حدثٌ رياضي يستحق أن تقف أمامه بكل انتباه.

توقّعنا: البرتغال تتأهّل بصعوبة (2-1). لكن لا نستبعد أن يقرّر مودريتش تأجيل وداعه مرةً أخرى. (Fox News)

تابعوا «ملعب الآن» لتغطية مباريات دور الـ32 وما بعدها لحظةً بلحظة.