في فاصل زمني لا يتجاوز أربعاً وعشرين ساعة، عاشت الكرة العربية في كأس العالم 2026 أكثر مشهدين متناقضين في هذه النسخة: مصر تكتب أعظم ليلة في تاريخها المونديالي بفوزها الأول على الإطلاق منذ مشاركتها الأولى عام 1934، وتونس تطوي صفحتها في البطولة بعد خسارة ثقيلة أمام اليابان. القصتان لا تتعلقان فقط بنتيجتي مباراتين، بل تكشفان عن تباين حقيقي في جاهزية المنتخبات العربية، وتفتحان سؤالاً أكبر: لماذا تستطيع منتخبات عربية أن تصنع التاريخ بينما تتعثر أخرى في أول اختبار حقيقي؟

لماذا كانت ليلة فانكوفر استثنائية في تاريخ الكرة المصرية؟

تأخر الفراعنة أمام نيوزيلندا بهدفٍ مبكر سجّله فين سورمان من ركلة ركنية في الدقيقة 15، لكن مصر ردّت بعاصفة في الشوط الثاني: تعادل مصطفى زيكو في الدقيقة 58 برأسية من تمريرة محمد هاني، ثم انفرد محمد صلاح بالتسجيل في الدقيقة 67 بتسديدة قوية من داخل منطقة الجزاء، قبل أن يُحسم اللقاء بهدف تريزيجيه في الدقيقة 82. الفوز 3-1 لم يكن مجرد ثلاث نقاط، بل أول انتصارٍ مونديالي في تاريخ مصر منذ نحو تسعين عاماً من المحاولات، وتصدّراً للمجموعة السابعة. (الجزيرة)

الأرقام الفردية لصلاح أضافت بعداً تاريخياً إضافياً: هدفه الـ68 مع منتخب مصر جعله الهدّاف التاريخي الأول لـ«الفراعنة» في كؤوس العالم بثلاثة أهداف، متجاوزاً الرقم القديم لعبد الرحمن فوزي (هدفان منذ 1934)، كما أصبح أكبر لاعب مصري عمراً يسجّل ويصنع في مباراة مونديالية واحدة وهو في الرابعة والثلاثين. (beIN Sports)

ما الذي يفسّر صمود مصر بينما تتعثر منتخبات عربية أخرى؟

الإجابة، من وجهة نظرنا في «ملعب الآن»، ليست في الحظ بل في التراكم. مصر دخلت البطولة بهيكل واضح: نواة من لاعبين يعرفون أجواء الكبار في أوروبا (صلاح في ليفربول، مرموش في مانشستر سيتي)، ومدرّب وضع خطة واقعية تقوم على الصبر دفاعياً وانتظار اللحظة الحاسمة بدلاً من المغامرة المبكرة. التأخر بهدف لم يدفع الفراعنة للارتباك، بل لتعديل الكثافة الهجومية تدريجياً عبر الشوط الثاني — وهذا بالضبط نوع النضج الذي يصنع الفارق بين منتخبٍ يخرج من دور المجموعات ومنتخبٍ يودّعه باكراً.

هل كان خروج تونس أمام اليابان مفاجئاً فعلاً؟

الخسارة 0-4 أمام اليابان كانت الأقسى على أي منتخب عربي في هذه النسخة. سجّل دايتشي كاماداه في الدقيقة الرابعة، وأضاف آياسي أويدا هدفين (31 و83)، وأنهى جونيا إيتو الحساب في الدقيقة 69، في مباراةٍ جعلت اليابان أول منتخب آسيوي يسجّل أربعة أهداف في مباراة مونديالية واحدة. النتيجة أقصت تونس رسمياً وجعلتها أول منتخب عربي يودّع البطولة. (الجزيرة)

المفاجأة هنا ليست في وجود هزيمة، بل في حجمها. تونس بقيادة هيرفي رينارد عانت تاريخياً من هشاشة في الجولة الافتتاحية من البطولات الكبرى، ومشكلة «نسر قرطاج» المتكررة هي الاعتماد على صلابة دفاعية تنهار بالكامل أمام خصمٍ يضغط بسرعة في المساحات الخلفية، دون خط وسط قادر على كسر الضغط بالكرة. هذا ليس عيباً عابراً في مباراة واحدة، بل نمط تكرر في أكثر من مناسبة دولية للمنتخب التونسي خلال السنوات الأخيرة.

ماذا يعني هذا التباين لمستقبل الكرة العربية في مونديال الـ48 منتخباً؟

النظام الموسّع بمشاركة 48 منتخباً يمنح فرصاً إضافية – عبر تأهل أفضل المنتخبات الثالثة – ما يعني أن خروج تونس مبكراً لا يعكس بالضرورة فشل المشروع التونسي بقدر ما يكشف هشاشة في إدارة لحظات الضغط الكبرى. في المقابل فإن نموذج مصر يقدّم رسالة واضحة: الاستقرار الفني، وخط هجوم تقوده نجوم تلعب في القمة الأوروبية، وصبر تكتيكي، عناصر قابلة للتكرار في أي منتخب عربي آخر إن توفّرت الإرادة والتخطيط طويل المدى بدلاً من الحلول المؤقتة قبل البطولات.

رأينا في «ملعب الآن» أن أكبر خطر يهدد المشروع الكروي العربي ليس في الخسارة أمام الكبار، بل في تكرار سيناريو تونس: منتخبات تصل إلى المونديال دون خط وسط متوازن أو خطة بديلة عند الضغط، بينما تثبت تجربة مصر أن وجود نجمٍ عالمي بحجم صلاح لا يكفي وحده لو لم يُدعم بخطة جماعية واضحة — وهو ما توفّر هذه المرة للفراعنة، وغاب عن نسر قرطاج.

ثمة درسٌ إضافي يستحق التوقف عنده: عمر الفرصة في كأس العالم محدودٌ جداً، ومنتخبٌ يفشل في إدارة أول 70 دقيقة من مبارياته الافتتاحية قد يجد نفسه خارج البطولة قبل أن يبدأ فعلياً، بصرف النظر عن حجم موهبته الفردية. هذه هي المعادلة التي أدركتها مصر جيداً، وهي ما يجب أن تتعلّمه بقية المنتخبات العربية المتبقية في المنافسة وهي تستعد لجولاتها الحاسمة المقبلة، إذ لا يكفي الوصول إلى المونديال؛ المطلوب خطة تتحمّل الضغط لحظة بلحظة.

  • مصر: فوز تاريخي أول 3-1 على نيوزيلندا، وتصدّر المجموعة السابعة، وتأهل مبكر لدور الـ32
  • صلاح: هدّاف مصر التاريخي في كؤوس العالم بثلاثة أهداف متجاوزاً عبد الرحمن فوزي
  • تونس: خسارة 0-4 أمام اليابان وخروج رسمي من البطولة، أول منتخب عربي يودّع المونديال
  • المنتخبات العربية الثمانية: مصر، الجزائر، المغرب، تونس، الأردن، السعودية، قطر، العراق

تتواصل مسيرة المنتخبات العربية في مونديال 2026 بمزيدٍ من الاختبارات الحاسمة، و«ملعب الآن» يواكب كل تفصيل بعينٍ تحليلية لا تكتفي بسرد النتائج.