كانت اللحظة التي صعد فيها منتخب العراق إلى أرضية ملعب فيلادلفيا أمام فرنسا مساء الإثنين تحمل في داخلها قصةً أكبر من تسعين دقيقة كرة قدم. فبعد غيابٍ دام أربعين عامًا عن نهائيات كأس العالم — منذ مونديال المكسيك 1986 — وجد «أسود الرافدين» أنفسهم في مواجهة بطل العالم السابق وأحد أقوى منتخبات البطولة. النتيجة جاءت قاسية: خسارة 0-3، سجّل خلالها كيليان مبابي هدفين في مباراته الدولية المئة، وأضاف عثمان ديمبلي الثالث، في لقاءٍ توقّف لأكثر من ساعتين بسبب عاصفةٍ رعدية ليصبح أول مباراةٍ تتأخر بسبب الطقس في تاريخ كأس العالم. (فرانس24)

أين تكمن المشكلة الحقيقية للعراق؟

الأرقام لا ترحم: خسارتان من جولتين، هدفٌ واحدٌ مسجَّل في مقابل سبعةٍ مستقبَلة، وصفرُ نقاط في قاع المجموعة I. لكن الأخطر من النتيجة هو نوعية الأهداف التي استقبلها العراق — أخطاءٌ دفاعية فردية في كلا المباراتين، وعجزٌ واضح عن الحفاظ على التركيز في اللحظات الحاسمة من الشوط الثاني. هذا ليس عيبًا في الموهبة بقدر ما هو فجوة الخبرة المتوقّعة لمنتخبٍ يخوض أول مباريات نخبته الحالية على هذا المستوى من الضغط والسرعة. الفارق بين مواجهة خصمٍ إقليمي في التصفيات الآسيوية، ومواجهة هجومٍ فرنسي بقيادة مبابي، هائلٌ، ولم يكن العراق مهيّأً تكتيكيًا لتقليصه.

في المقابل، يجب الإشارة إلى ظروفٍ مخفّفة: لعب العراق الشوط الثاني كاملًا تقريبًا بعد توقّفٍ غريب دام ساعتين بسبب العاصفة، ما أثّر على الإيقاظ البدني والذهني لفريقٍ كان يحاول تقليص الفارق. ومع ذلك، فإن منتخبًا يطمح للمنافسة الجادة لا يمكنه أن يتعلّل بالظروف الخارجية وحدها — فالمنتخبات الكبرى تتأقلم، والصغرى تنهار، وهذا بالضبط ما حدث.

هل انتهت آمال العراق في التأهّل؟

ليس تمامًا، لكن المهمة باتت بالغة الصعوبة. وفقًا للجزيرة نت، يدخل العراق مباراته الأخيرة أمام السنغال يوم الجمعة المقبل وهو لا يقبل أي نتيجةٍ سوى الفوز، إذ إن أي تعادلٍ أو خسارةٍ يعني الخروج الرسمي والمباشر من البطولة. (الجزيرة نت) وحتى لو حقّق العراق الفوز ورفع رصيده إلى 3 نقاط، فإن تأهّله كثالث المجموعة سيظلّ متوقفًا على نتائج باقي مجموعات البطولة الاثنتي عشرة، ضمن سباق المراكز الثمانية المتبقية لأصحاب المركز الثالث المؤهَّلين لدور الـ32.

السيناريو إذن واضحٌ وقاسٍ في آنٍ واحد:

  • فوزٌ على السنغال يمنح العراق فرصةً حقيقية، وإن كانت ضئيلة، عبر سباق المراكز الثالثة.
  • أي نتيجةٍ أخرى تعني نهاية الرحلة من دور المجموعات مباشرة.
  • فارق الأهداف السلبي الكبير (-6) يجعل حتى الفوز الضيق غير كافٍ لضمان الأفضلية في سباق المقارنات.
  • السنغال نفسها تدخل المباراة بلا نقاط بعد خسارتها أمام النرويج، فالمواجهة ستُحسم بإرادة الفريقين لا بالحسابات فقط.

رأي «ملعب الآن»: لا تُقاس العودة العراقية بثلاث مباريات فقط

من المهم أن نكون واضحين هنا: حتى إن خرج العراق من دور المجموعات، فإن مجرّد الوصول إلى نهائيات كأس العالم بعد أربعين عامًا من الغياب هو إنجازٌ تاريخي يستحق التقدير، لا يجوز اختزاله في نتيجتَي خسارة. الجيل الحالي للمنتخب العراقي أعاد لكرة القدم العراقية مكانتها على الخريطة الآسيوية والعالمية، وأثبت أن «أسود الرافدين» قادرون على المنافسة بعد سنواتٍ من الانكفاء بسبب الظروف الأمنية والإدارية التي عصفت بالكرة العراقية لعقود.

لكن الإنجاز التاريخي لا يُغني عن النقد البنّاء: على الجهاز الفني العراقي أن يستخلص من هذه التجربة دروسًا واضحة حول كيفية التعامل مع الضغط الذهني في المباريات الكبرى، وضرورة تحصين خط الدفاع أمام هجماتٍ سريعة الانتقال. والفوز على السنغال، بصرف النظر عن نتيجته النهائية على مصير التأهّل، سيكون بمثابة شهادة نجاح حقيقية لجيلٍ يبني تجربةً يمكن البناء عليها في تصفيات 2030.

ولماذا يهمّ هذا الجمهور العربي بأكمله؟

عودة العراق إلى المونديال ليست شأنًا عراقيًا محضًا، بل قضيةٌ عربية بامتياز. فبعد سنواتٍ من غياب الكرة العراقية عن المحافل الكبرى، يمثّل صمود «أسود الرافدين» أمام فرنسا وهالاند والنرويج رسالةً مفادها أن الكرة العربية تتوسّع وتتجدّد، لا تنحصر في عددٍ محدودٍ من المنتخبات التقليدية. ومهما كانت نتيجة الجمعة المقبل، فإن الجمهور العربي يتابع هذه المباراة بقلبٍ واحد، يأمل أن يكتب العراق فصلًا أخيرًا مفاجئًا في قصة عودته الكبرى.

«ملعب الآن» يواكب مباراة العراق والسنغال الحاسمة بتغطيةٍ كاملة، وتحليلٍ لما بعد كأس العالم 2026 بالنسبة لمستقبل الكرة العراقية والعربية.